الأربعاء، 20 يوليو 2016

بحث موجز حول موضوع:"الحريات العامة في الفكر الفلسفي" من انجاز رشيـد الوردي


"الحريات العامة في الفكر الفلسفي"


من انجاز الطالب: 
رشيد الوردي

تحت اشراف الدكتور:
*ذ.المهدي الفحصي


أخذت قضيتنا الحريات العامة، حيزاً هاماً من انشغال الفكر الفلسفي في التاريخ الإنساني، ولازال التجاذب والجدل بين هاتين القضيتين يكون أساس المقولات الفلسفية التي استند إليها الفكر السياسي، عبر مسيرة البشرية وتطوراتها الاجتماعية. وقد حاول الفكر السياسي صياغة النظم التي تنسجم مع هذه المقولات. فمنهم من عد الحرية حقاً طبيعياً للإنسان، لايجوز للضرورة تقييدها، ومنهم من عد الضرورة، هي التي تعطي للحرية معنىً إيجابياً يُمكن الفرد من ممارسة حرياته الأساسية، الطبيعية والوضعية، ومنهم من ذهب إلى محاولة التوفيق بين الحرية والضرورة. وقد نشأ عن تباين الاتجاهات الفكرية، ظهور مفهومين للحريات أو ما سُمي الحريات السلبية والحريات الإيجابية.
تعتبر مسألة الحرية وبحق من أدق واخطر المسائل التي حظيت بالبحث والدراسة قديما وحديثا. فقديما،عدت من اعقد المشكلات الفلسفية، وأشدها استعصاء، إذ واجهت الباحثين والمفكرين من قديم الزمان، وعاصرت الفكر الإنساني وسايرته ابتداء من عهد فلاسفة الإغريق القدامى وحتى عصرنا الحاضر، الأمر الذي أدى إلى تشعب الأفكار واختلاف الآراء حولها اختلافا عظيما، لم يحدث له مثيل في أي مفهوم آخر. أما حديثا، فهي ما زالت تحتل مكان الصدارة، ومركز اهتمام الكثيرين من فلاسفة وفقهاء وكتاب وغيرهم، ومكمن السر في اكتساب الحرية هذه الأهمية الأساسية والبالغة، هو ارتباطها الوثيق بحياة الإنسان وبقيمته وكرامته وتحقيقا لهذا المقصد كانت الحرية ولا تزال من أغلى الأشياء التي ناضلت الشعوب من أجل أن تنعم بها، وسيستمر ويتواصل نضالها حاضرا ومستقبلا، طالما أن هناك حقوقا مغتصبة، وحريات منتهكة للأفراد والمجتمعات، سواء كان ذلك على المستوى الداخلي المحلي أو على المستوى الخارجي الدولي. إن من يستقرئ التاريخ يكتشف هذه الحقيقة، ويتبين له بجلاء أن الاهتمام الأول للفرد عبر العصور هو المطالبة بحقوقه وحرياته، وأن تطور المجتمعات السياسية هو في الواقع تطور لصراع مرير ومتواصل بين السلطة السياسية والتي هي ضرورة اجتماعية لإقامة حياة أفضل، وبين الحرية التي ينشدها الإنسان بطبعه. وإذا كانت الحرية تعد وبحق، من أقدس حقوق الإنسان، فلا غرابة إذن، أن تكون سببا لسقوط الكثير من الضحايا، واشتعال الكثير من الحروب على مر التاريخ، وأن نراها في عصرنا الحاضر تحتل مكان الصدارة في الصحف، وفي الخطب البرلمانية، والمحافل الدولية وتتبوأ مكانا بارزا في صلب الدساتير وإعلانات الحقوق، حتى أصبحت قاعدة جوهرية، وركيزة أساسية لكل تشريع أو نظام سياسي، كيفما كانت أسسه ومبادئه، ومهما اختلفت مقاصده وأهدافه. أن كون الحرية ضرورة طبيعية فلأن الفرد يحس حريته واستقلاله الذاتي عن غيره إحساسا طبيعيا، ينسجم مع إحساسه بتميزه الذاتي، وهذا يناسب نظرة المجتمع باعتباره فردا مستقلا حرا مكلفا. أن مفهوم الحرية والاختلاف حوله قد عاصر وساير تطور الفكر الإنساني منذ بدايته وحتى عصرنا الحديث، وبناء على ذلك فإنه يبدو- منطقيا- أن البحث عن تعريف موحد لها سيظل أمرا عسيرا طالما أن مفهومها متذبذب ومختلف بحسب اختلاف الزمان والمكان والمذهب الفكري السائد في أي مجتمع. ولهذا، فقد عبر الرئيس الأمريكي: إبراهام لنكولن " في خطاب ألقاه عام 1864 م عن هذا المعنى بقوله: "إن العالم اليوم لم يصل أبدا إلى تعريف طيب للفظ الحرية، فنحن إذا كنا نستعمل ذات الكلمة، فإننا لا نقصد ذات المغزى أو المعنى. إذا كان الفرد   كائنا

اجتماعيا بطبعه ولا يحيا إلا في نطاق مجتمع يخضع لدولة، وله أهداف يسعى إلى تحقيقها، فإنه من غير المجدي البحث عن حريته خارج هذا الإطار، أي بمعزل عن علاقاته مع غيره من أفراد المجتمع الذي يعيش فيه وعن الدولة التي تحكمه. وهذا ما يؤكد لنا الطابع النسبي للحرية، فأساسها ومدارها يتوقف على تركيب الكيان الاجتماعي.
فحرية الفرد تقابلها حريات الأفراد الآخرين، وكذا حرية الدولة، الأمر الذي ينفي تصور أو وجود، حريات مطلقة دون أن يتضمن ذلك اعتداء على حقوق وحريات الآخرين. وبناء على ما تقدم يجب على الفرد، إذا أراد أن يتمتع بحريته، أن يلتزم الحدود، والأنظمة والأهداف المعينة للمجتمع الذي يعيش فيه، ومن خلالها يتسنى له تحقيق أهدافه ومصالحه، وفي مقابل ذلك يضمن عدم اعتداء الآخرين على حقوقه وحرياته – بدعوى تمتعهم أيضا، بحقوقهم وحرياتهم ذلك هو ثمن الحياة المشتركة المنظمة والتي ترفض حماية النظام العام ، وهو المبدأ الذي يفصل بين الحرية وبين الفوضى، لكن على السلطة العامة إذا كان الفرد كائنا اجتماعيا بطبعه ولا يحيا إلا في نطاق مجتمع يخضع لدولة، وله المحافظة على كيان الدولة، مع ضرورة مراعاة التوازن بين الحرية ووجود الدولة. إذ يجب أن تنتهي حرية الفرد حيث تبدأ حريات الآخرين، وهذا لكي يتمكن الجميع من اقتسام الحق والحرية اللازمين للمعيشة المشتركة في مجتمع واحد, ألا تسيء استغلاله للقضاء نهائيا على الحريات وبغير هذا التصور للحرية المنظمة، فإن النتيجة هي تدهور السلام الاجتماعي، وانهيار المجتمع، ويصبح الكلام عن ممارسة الحرية ضربا من الوهم والخيال، لأن الحرية المطلقة لم يكن لها في أي يوم وجود واقعي .و التوازن السياسي والاقتصادي والاجتماعي هو جوهر الحرية. إذا كان المعنى النسبي للحرية، هو حجر الزاوية والطابع المميز لممارسة أية حرية داخل المجتمع المنظم، فإن هذا التصور، لن يؤتي ثماره ونتائجه المرجوة وسيبقى ناقصا، ومفرغا من محتواه الإنساني والشامل، ما لم يستند إلى مذهب فكري متوازن. وحرية الإنسان، هي تلك الحرية النسبية نتيجة رضوخه القسري لعوامل الطبيعة ونواميسها، إضافة إلى اضطراره للالتزام بالحدود المعينة للمجتمع الذي لا بد أن تحد من حريته. لان الإنسان إذا لم يراع قواعد المجتمع ستكون النتيجة انهيار هذا المجتمع الذي يعيش فيه. .. إن حرية الإنسان تفسر على أنها حقه، بقدر ما تحمل الخير النافع للإنسان ومجتمعه الذي ينتمي إليه. وبهذا التشخيص تصبح الحرية عدوة الفوضى، كما أنها عدوة الاستبداد والاستعباد، وضمن هذه الحدود "أي الحرية المنظمة" الحضارة، وتقدم البشرية وتحقيق الخير والسعادة للإنسانية. أما القيود الخارجية بحكم القانون، والتي يفرضها ولي الأمر، فهي تكون حين يضعف المعنى النفسي في نفوس بعض الناس، والتي هي في الواقع حماية للحرية وليست قيودا، إلا للذين انطلقوا غير مراعين حقها،وحق الغير في أن يتمتع بحرية سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، في ظل نظام سياسي عادل، بحيث إذا اختل هذا التوازن، فقدت الحرية قيمتها الحقة وبعدها الإنساني الشامل. غير أن التوازن السياسي لا يتحقق في المجتمع، ولن تظهر آثاره على أرض الواقع، إلا في ظل نظام قانوني عادل، يضمن للمحكومين حرية اختيار أحسن الحاكمين بإرادتهم الحرة المعبرة، والعارية عن أي شكل من أشكال الضغط والإكراه، والخالية من أي لون من ألوان الغش، والتزوير، مهما كان نوعه، وكيفما كان مصدره ودواعيه. وبغير سلوك هذا الطريق، فإن الأمور ستؤدي حتما إلى فقد الثقة بين الحاكم والمحكوم، وبالتالي زعزعة قيمة الحرية، بمعناها الإنساني الشامل، وعودة الصراع من جديد، بمعناه السياسي، وذلك كنتيجة طبيعية ورد فعل معاكس للقهر السياسي الذي تمتهن بسببه حريات الفرد وحقوقه، وتصادر فيه إرادته، وما ينتج عن كل ذلك من استغلال واستبداد اقتصادي واجتماعي لأفراد الجماعة، وكثرة الشواهد التاريخية ماضيا وحاضرا، خير دليل على تأكيد هذا التحليل، سواء منها ما كان مطبقا، تحت ظل السلطان الكنسي والملكيات المطلقة في أوروبا قديما، أو كما هو الحال، حديثا، في ظل النظم السياسية الدكتاتورية، التي تمنع الفرد من حرية نقدها والخروج عن منهجها، وتنكر عليه التمتع بممارسة حقوقه وحرياته السياسية بصورة فعلية.
أما على الجانب الاقتصادي، فإن الاختلال وعدم التوازن في العلاقات الاقتصادية، وما يولده من نتائج سلبية، يجعل المفهوم الاقتصادي للحرية يبرز، ويطغى على ما سواه، كنتيجة طبيعية لعدم التقارب الاقتصادي، وكرد فعل حتمي للفوارق الجسيمة بين الفئات الاجتماعية، بحيث تهتز القيم الاجتماعية والسلام السياسي في الدولة، ويصبح الصراع والصدام هو المحصلة النهائية في المجتمع، نتيجة عدم المساواة الاقتصادية.
إن ثمرة الحرية ودرجتها مرتبطة إلى حد كبير بمدى تقدم المجتمع اقتصاديا، وتوافره على عوامل الثروة، وانتعاشه المالي، شريطة قيامه بتنظيم وتوزيع أكثر عدالة للثروة، وتأمين الأمن المادي والمعنوي لمختلف الطبقات الاجتماعية. ذلك أن عدم المساواة في توزيع ثمار العمليات الاقتصادية بين أفراد المجتمع، سيؤدي لا محالة، إلى إنكار الحرية كحقيقة واقعية، ويفقدها قيمتها الجوهرية الحقيقية بمفهومها الإنساني والشامل.
أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الحرية ستكون مفرغة من معناها الحقيقي ما لم تستند إلى نظام اجتماعي عادل، ينظر إلى أفراد المجتمع، نظرة إنسانية متساوية، لا تمييز بينهم بحسب الجنس، أو اللون، أو اللغة... الخ. بل يكون ميزان التفاضل فيه هو السلوك القويم، والعمل الصالح الهادف إلى المساهمة في تحقيق مصالح الجماعة.



فالحريات السلبية: تنصرف إلى الإجابة عن السؤال الآتي: ما هو المجال الذي يجب أن يترك فيه الفرد، حرية العمل، أو أن يفعل ما يريد هو، من غير تدخل أي طرف آخر خارجي عنه؟ ينطلق هذا المعنى من رغبة الفرد أن يكون سيد نفسه، وألا يكون عبداً لأحد، وينصرف إلى استقلالية الفرد تجاه الآخرين، وعدم التدخل في شؤونه الخاصة، فكلما اتسع مجال عدم التدخل كلما كبر مجال الحرية. ولكن أصحاب هذا الاتجاه، اختلفوا على مدى المجال الذي يتمتع به الفرد بحريته، لأن الغايات والنشاطات البشرية للأفراد لا تنسجم تلقائياً  بعضها مع بعض، ولأن الحرية لا ينبغي أن تتعارض وتتصادم مع أهداف أخرى للفرد كالعدالة والسعادة والثقافة والأمان ودرجات مختلفة من المساواة، وهذا ما دعا إلى التساؤل عما يجب أن يكون عليه الحد الأدنى من الحرية ؟ وكان الجواب: إن هذا الحد الأدنى، هو ما لا يستطيع الفرد التخلي عنه، من دون أن يسيء إلى جوهر الطبيعة البشرية. ما هو هذا الجوهر ؟ وما هي الخصائص القياسية فيه؟ تلك تساؤلات ما زالت قائمة.
والمفهوم الإيجابي للحرية، يتحدد بالسؤال الآتي: من وما هو مصدر السيطرة أو التدخل الذي يستطيع تحديد ما يقوم به الفرد، أو ما يجب أن يكون عليه ؟ فالحرية بمعناها السلبي ليس لها مدلول موضوعي في الواقع. إذ إن حرية الحياة، لا تحقق للإنسان ضرورات الحياة من مأكل  وملبس وعلاج، بل تكتفي بمنع قتله إن كان حياً. وحرية الفكر لا توفر للإنسان أسباب العلم والمعرفة، ولكن تعني أن أحداً لا يمنعه أن يفكر كما يشاء، وحرية العمل لا توفر له العمل الذي يريده ويتفق مع كفاءته، ولكن تعني أن أحداً لا يسخره دون أجر، والحرية السياسية تعني أن يقول رأيه ويمارس اختياره، ولكن لا تعني أن الحكومة ستضمن حرياته. وهنا تتداخل الحرية الإيجابية مع مفهوم الحق وتجد الحرية مضمونها، في أن تكون حرية الحياة، صحية آمنة من كل ما يهدد حياته ويوفر له شروط الحياة المستمرة، وحرية الفكر علماً وثقافة واختيار من دون قسر وإكراه. وعدّت الحرية أصل الحقوق كلها، فأي حق ينبغي أن يكون منشأه الحرية، وأي حق لابد أن ينشأ موضوعياً عن اختيار حر. فحق التعبير والنشر والصحافة، لابد أن يكون ناشئاً عن حرية التعبير الشفوي والكتابي. وحق الملكية لابد أن ينشأ عن حرية الإنسان في التملك والتصرف، وحق الانتخاب لابد أن ينشأ عن حرية الإنسان في الاختيار والترشيح. وحق تكوين الأحزاب والجمعيات ينشأ عن حرية العمل السياسي، واحترام الرأي الآخر.
ومن علاقة الحرية بالحق ظهر مفهوم الحريات العامة، وهي الحريات التي يضمنها القانون الوضعي، ويُعترف فيها للإنسان، وتصبح السلطة هي الضامن للحريات.
ولذلك فقد اقتضت مصلحة الجماعة أو المجتمع، أن يكون هناك ناظم بين الحرية وممارستها، وأن تكون ممارسة الفرد لحريته في إطار تمكين الآخرين من استعمال الحق نفسه بالممارسة، عن طريق ضبط الحرية في إطار مصلحة المجتمع، واقتضت الضرورة الاجتماعية التدخل لتنظيم ممارسة الحرية الفردية. ولكن من هي الجهة التي لها الحق في ضبط هذه الحرية؟ بعضهم عبر عنها بالحق الإلهي للملوك. وآخرون بالدولة وإرادة الأمة، أو بالسلطة الاجتماعية، أو بسيادة الشعب والقانون الصادر عنه.
حققت الدعوات النبوية والرسالات السماوية، نقلة نوعية في إثراء فكرة الحرية والمساواة الطبيعية، فالمسيحية، أعلنت انحيازها إلى حرية الإنسان، عن طريق المحبة والتسامح، والوحدة الحتمية بين الناس في المجتمع الواحد. وأرسى الإسلام قواعد الحرية والمساواة، حين اعترف بالفرد وحرياته وحقوقه، وكفل حرية العقيدة لبقية العقائد، ففرض الزكاة[ر] على المسلمين وحدهم، وترك لبقية العقائد حرية ممارسة شعائرهم الدينية، وقد ورد في القرآن الكريم في سورة البقرة: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾. وكفل الحرية الشخصية للفرد، وفي هذا يقول عمر بن الخطاب: «والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدل». وأقر حرية الرأي، وحرية التملك، ولكنه جعلها مقيدة بألا يكون منها ضرره. وقرر الملكية العامة وأباح نزع الملكيةللمنفعة العامة. وأكد على المساواة في خطبة الوداع. عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر. فضل إلا بالتقوى». وساوى الإسلام بين الناس أمام القانون والقضاء وضريبة الجهاد.
وقد حسم قول عمر بن الخطاب الشهير مسألة حرية الإنسان: «متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً». ولعل كل ذلك يسوق إلى أن الإسلام قد حقق قفزة ملحوظة في مفهوم الحريات العامة والطبيعية والحقوق القائمة على العدل والمساواة، وحقوق الإنسان[ر].
عندما جاء العصر الأوربي الحديث، كانت قضية: أن يولد الإنسان حراً، قد حُسمت، ولذلك عندما جاء روسو في العقد الاجتماعي، بمقولته: «ولد الإنسان حراً ولكنه مقيد بالسلاسل»، لم يعوزها الجدل، وأصبحت قضية تأسيس مفهومات الحريات السياسية والمدنية، هي مستقبل الفكر الفلسفي والسياسي، وقد مهدت الآراء والنظريات التي ساقها العديد من المفكرين حول جدلية الحرية والسلطة والسيادة إلى انفجار الثورة الفرنسية عام 1789م، وإعلان حقوق الإنسان الذي رافقها بأن قد «ولد جميع الناس أحراراً متساوين أمام القانون». وإضافة كلمة القانون عبرت عن البعد الجديد الذي أخذته قضية الحرية في الفكر السياسي، وهي المساواة أمام القانون، وتأصيل مفهومات الحريات العامة، ببعديها السياسي والمدني.
وهكذا أضحت المسألة، أنه إذا كان مفهوم الحرية يقوم على أرضية فلسفية، فإن تكييف ممارسة هذه الحرية من خلال علاقتها مع السلطة والمجتمع، على قاعدة الحقوق الفردية والاجتماعية، ينبغي أن تقف على أرضية قانونية، وهكذا امتزج مفهوم الحرية العامة بالحق، والحريات الطبيعية بحقوق الإنسان.
وعلى الرغم من اختلاف الرأي عند أصحاب المذاهب الفردية الطبيعية، مع أصحاب المذاهب الاجتماعية والاشتراكية بصدد حدود الحريات العامة، وجدلية الحرية والسلطة والمجتمع، وممارسة هذه الحريات ومضمونها، فإن تداخل مفهوم الحريات العامة مع الحريات الطبيعية، قد أسس للاتفاق على تحديد هذه الحريات، وظهرت نظرية الحقوق والحريات العامة. تقوم هذه النظرية على محورين أساسيين:
أولاً: المساواة
ويقصد بها في الديموقراطيات التقليدية القائمة على المذهب الفردي الحر، المساواة أمام القانون، أي أن يتمتع جميع الأفراد بقدر متساو من الحماية القانونية، وبما يخوله القانون للجميع من إمكانيات متساوية في التملك والتصرف والعمل وممارسة أنواع النشاط المختلفة. وهي على نوعين:
1- المساواة في المنافع: (أمام القانون، أمام القضاء، في العمل).
2- المساواة في التكاليف: (أمام الضرائب، الخدمة العسكرية).
ثانياً: الحرية
وهي القدرة على التصرف بما لا يضر الآخرين، فهي حرية مقيدة، بما يمنع اعتداء الأفراد بعضهم على بعض، ولهذا جاز تنظيمها بقانون وهي ثلاثة أنواع:
1- حريات تتعلق بالمصالح المادية للإنسان:( الحرية الشخصية، حرية المسكن، حرية التملك، حرية العمل، الحرية الاقتصادية.
2- حريات تتعلق بالمصالح المعنوية للإنسان: (حرية العقيدة، حرية الفكر، حرية الرأي، حرية الاجتماع، حرية تكوين الجمعيات، حرية التعلم).
3- حريات سياسية: (حرية الترشيح، حرية الانتخاب، حرية تكوين الأحزاب السياسية، حرية المعارضة للأغلبية..).
وقد كان المعيار أن السلطة ضرورة اجتماعية، الذي قبله الفقه السياسي الحديث، عاملاً جوهرياً في تعدد الاجتهادات والنظريات، حول تطبيق الحريات العامة المتعلقة بحقوق الفرد المدنية والسياسية، وتحديد مضمونها وممارستها، وتكييفها الفقهي والقانوني، وتبلورت نتيجة هذه الاختلافات، اتجاهات ومذاهب متعددة:
أولاً - مذهب الحقوق الطبيعية الفردية:
ينطلق الفكر السياسي لهذا المذهب، من مقولة ترتكز على أن هناك قانوناً طبيعياً للحقوق والحريات العامة، ينبع من طبيعة الإنسان، يسبق الجماعة ويسمو على الدولة، فالطبيعة خلقت الأفراد متساوين وأحراراً، وإذا كان إحساس الأفراد بالضعف أمام الطبيعة، قد ولَّد فيهم غريزة الحياة الجماعية، فإنهم لم ينزلوا على مقتضى هذا الإحساس إلا رغبة في توكيد حقوقهم وصيانة حرياتهم الطبيعية، ومن ثم لزم أن يهدف النظام الجماعي وقوانينه إلى التسليم بهذه الحقوق والحريات.
ثانياً - مذهب الحق الطبيعي الاجتماعي:
يرى أصحاب هذا الاتجاه، أن السلطة والقانون ظاهرتان اجتماعيتان طبيعيتان، وأن السلطة لا تنشأ إلا في ظل الاجتماع البشري، وأن القانون ينشأ تلقائياً تحت إلحاح الضرورة لصيانة الوجود الجماعي وتطويره، ويستمد جوهره ومضمونه من مقتضيات الضرورة، ما يتمثله في مرحلة من مراحل التطور لمعنى العدل، فالسلطة العامة تلتزم قانون الجماعة وعليها ضمان نفاذه.
وتأسيساً على ذلك، فإن المجتمع البشري عند الفقيه الفرنسي دوغي وحده الحقيقة الثابتة، ينشأ تلقائياً كظاهرة طبيعية توجيه الطبيعة البشرية، فكل إنسان يجد نفسه مندمجاً منذ مولده في جماعة بشرية تتسع أو تضيق من دون أن يكون له دخل في وجود هذه الجماعة، فهو مضطر دائماً إلى التعاون مع الآخرين يعطيهم بحسب قدراته ومواهبه واستعداداته، ويأخذ منهم في عملية دائمة من تبادل المنافع والخدمات..
ثالثاً - المذاهب الاشتراكية:
لم تتفق الاتجاهات الاشتراكية، على نهج موحد، بصدد الموقف من حقوق الفرد وحرياته العامة ،انطلاقاً من رؤية كل منها لمسألة الانقسام والاستغلال الطبقي في المجتمع.
لكنها متفقة على أن الفرد لا يستطيع أن يمارس حرياته العامة والمساواة الفعلية، إذا لم يهيئ له المجتمع شروط وظروف ممارستها بحرية، وهو لن يكون حراً، ولن يكون لحريته معنى، ما لم يكن المجتمع حراً في إطار شروط اقتصادية واجتماعية عادلة، تتيح المساواة الواقعية بين الأفراد.
رابعاً - المذاهب الوضعية:
 يقوم هذا الاتجاه على قاعدة الربط بين القانون والسلطة، برابطة النتيجة بالسبب، فهي التي تخلقه وتعلنه وتفرض احترامه، وأنه لابد لكل جماعة سياسية من سلطة عليا مطلقة التقدير، لا تلتزم بشيء فيما تقرره، وأن السلطة العليا لا يجب أن تكون لغير الشعب صاحب السيادة، ولا تستطيع السلطة التشريعية[ر] أن تضع قوانين تعتدي على حقوق الأفراد وحرياتهم العامة.
وقد أخذ رجال الثورة الفرنسية بعض أفكار روسو في العقد الاجتماعي، الذي ينتهي إلى دعم فكرة السلطان الكلي للإرادة العامة. والتي عبر عنها بالسيادة، المنبثقة عن إرادة مجموع الأفراد. وبذلك فقد تنازل الفرد عن إراداته لصالح إرادة الأمة، وهذه الإرادة يمثلها البرلمان، وأصبح التشريع الذي يصدره البرلمان المنتخب من الأمة واجب الإتباع وتخضع له السلطات والهيئات السياسية التنفيذية كافة، وبذلك أصبحت الحقوق والحريات العامة للأفراد خاضعة لتشريعات الأغلبية الحزبية في البرلمان، وهي التي تعطيها مضمونها ومسارها. وقد تأثر الفكر الألماني بهذا الاتجاه وركز على تقديس فكرة الدولة ودورها في الحياة العامة للأفراد.
منذ أوائل القرن العشرين، فرضت فكرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية نفسها على الأنظمة السياسية كافة، بما فيها أنظمة الضمانات الاجتماعية والاقتصادية التي توفر للفرد ممارسة حرياته السياسية، وتراجع المفهوم الفردي أمام نزعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومقتضيات الضرورة. وطغى معيار الضرورة عند أنظمة سياسية كثيرة، بحيث بات تنامي هذا المعيار يقتضي تكييف العلاقة بين الحقوق والحريات العامة، والسلطة التي تعمل باسم الضرورة الاجتماعية، وقد أسفر ذلك عن ظهور مبدأ المشروعية، الذي يهدف إلى ضبط السلطة وتصرفاتها فلا يكفي لحماية حقوق الأفراد وحرياتهم العامة، أن تتأكد سيادة القانون في شأن علاقاتهم بعضهم ببعض، بل يقتضي ذلك تأكيد أن يسمو القانون في علاقات الفرد والمجتمع مع الدولة وما يتفرع عنها من هيئات لممارسة سلطتها، نتيجة ما تتمتع به من قوة جبرية ومن امتياز التنفيذ المباشر، يحول دون تحولها إلى قوة تعسفية تنتهك حقوق الأفراد وحرياتهم العامة، وهذا المبدأ ينطبق على النظم كافة، من خلال قاعدة التمييز بين فكرة السلطة السياسية وأشخاص الحكام بوصفهم يمارسون وظائف واختصاصات محددة سلفاً في الدستور والقانون.
خامسا - المذاهب اليبيرالية:

تقوم الليبرالية على الإيمان بالنزعة الفردية القائمة على حرية الفكر والتسامح واحترام كرامة الإنسان وضمان حقه بالحياة وحرية الاعتقاد والضمير وحرية التعبير والمساواة أمام القانون ولا يكون هناك دور للدولة في العلاقات الاجتماعية، فالدولة الليبرالية تقف على الحياد أمام جميع أطياف الشعب ولا تتدخل فيها أو في الأنشطة الاقتصادية إلا في حالة الإخلال بمصالح الفرد.
وتقوم الديمقراطية الليبرالية على تكريس سيادة الشعب عن طريق الاقتراع العام وذلك للتعبير عن إرادة الشعب واحترام مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وأن تخضع هذه السلطات للقانون من أجل ضمان الحريات الفردية وللحد من الامتيازات الخاصة ورفض ممارسة السيادة خارج المؤسسات لكي تكون هذه المؤسسات معبرة عن إرادة الشعب باكمله.
ويظهر التقارب بين الليبرالية والديمقراطية في مسألة حرية المعارضة السياسية خصوصًا، فبدون الحريات التي تحرص عليها الليبرالية فإنه لا يمكن تشكيل معارضة حقيقية ودعايتها لنفسها وبالتالي لن تكون هنالك انتخابات ذات معنى ولا حكومة منتخبة بشكل ديمقراطي نتيجة لذلك.
لكن التباعد بينهما يظهر من ناحية اُخرى، فإن الليبرالية لا تقتصر على حرية الأغلبية بل هي في الواقع تؤكد على حرية الفرد بأنواعها وتحمي بذلك الأقليات بخلاف الديمقراطية التي تعطي السلطة للشعب وبالتالي يمكن للحكومة أن تحد من حريات الفرد بحسب ظروف المجتمع[3] وتحوّل نظام الحكم إلى ما يدعى بالديمقراطية اللاليبرالية.
كذلك يرى بعض الكتـّاب مثل الأمريكي فريد زكريا أنه من الممكن وجود ليبرالية بدون ديمقراطية كاملة أو حتى بوجود السلطة بيد حاكم فرد وهو النظام الذي يعرف بالأوتوقراطية الليبرالية
فلو اخذنا المذهب الليبرالي نراه يعتمد في هذه المضمار على معيار "جون استيوارت ميل" متخذا إياه معيارا ضابطا للتجريم والإباحة في الكثير من القضايا، وهذا المعيار يتمثل في "عدم الإضرار بالغير" فأنت حر ما لم تضر. ويشترط "ميل" لتجريم التصرف أن يكون الضرر عاما، ومحددا، فإن كان التصرف شخصي الأثر، أو أصاب أشخاصا لا يمكن تحديدهم فلا تجريم حينئذ، وإن دخل التصرف في دائرة التصرفات اللاأخلاقية. فالسلوك الفردي المعيب، طالما أنه لا يمس أي واجب خاص قبل المجموع ولا يلحق الأذى بأي فرد آخر، فإنه يجدر بالمجتمع تحمله من أجل مصلحة أكبر مما يحققه عدم تركه لسلوكه المعيب، وتلك المصلحة هي الحرية. فقيمة الحرية وإن تعارضت مع بعض القيم الاجتماعية، وجب تفضيلها وإن ترتب على ممارستها ضرر يسير بالمجتمع. وعلى هذا ينبغي على المشرع إلا يضيق من مكنة الفرد في الاختيار، بالإفراط في فرض القواعد الملزمة له. التصرفات اللاأخلاقية الشخصية بناء على ذلك تعتبر مباحة، حيث تخرج عن دائرة التصرفات اللاأخلاقية الشخصية بناء على ذلك تعتبر مباحة، حيث تخرج عن دائرة التصرفات الممنوعة، ولا شأن لها بالقانون.
أما المذهب الماركسي فانه يختلف في تقييمه للصراع بين السلطة والحرية عن المذهب الليبرالي، فإذا كان المذهب الأخير يؤمن بضرورة وجود السلطة، والاكتفاء بوضع قيود قانونية للحد منها لتحقيق الحرية وحمايتها، المذهب الماركسي يرى إن السلطة هي مضادة للحرية من حيث المبدأ.ففي المجتمع الرأسمالي كما يرى الشيوعيون يكون الصراع والتضاد بين السلطة والحرية شاملا وواضحا وأكثر حدة، وذلك بسبب التناقضات الداخلية التي يحتويها هذا النظام بسبب قيامه على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والتي سوف تؤدي حتما إلى خلق طبقتين في المجتمع، طبقة مستغلة تملك الثروة بالإضافة إلى السلطة وطبقة مستغلة معدومة لا تملك شيئا من ذلك، وهنا يبرز الصراع والتضاد بين السلطة التي تملكها الأقلية، وبين الحرية التي سوف تسلب من الأغلبية. تمثل الأولى منهما مرحلة انتقال نحو الشيوعية، يتم فيها إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج لصالح الأغلبية، وتتميز بخصائص ومميزات مشتركة اجتماعية واقتصادية للمجتمعين الرأسمالي والشيوعي، هو بمثابة صراع بين الرأسمالية والشيوعية. وعند بلوغ المجتمع الشيوعي، فإن ظاهرة السلطة ستختفي وتتحقق الحرية بأسمى معانيها، حيث يتحرر الفرد من مختلف الضغوط والقيود التي يخضع لها في المجتمعات السابقة، فيتحرر سياسيا من ضغط الدولة، واقتصاديا من ضغط الحاجة.
تختلف الأنظمة السياسية المعاصرة فيما بينها، حول إعطاء معنى موحد ومنضبط للحرية السياسية، كما تتباين نظرتها في تحديد مضمونها ومحتواها ضيقا واتساعا، ورغم هذا التباين والذي يرجع أساسا إلى اختلاف المبادئ والأسس الفكرية التي يعتنقها كل نظام، إلا إن الإجماع يكاد ينعقد على أن الحرية السياسية هي التي تؤمن من الناحية العملية، قيام أفضل النظم السياسية. وإذا كان مصطلح الحرية السياسية يتميز لدى بعض الفقه عن مصطلح الحريات العامة أو "الفردية" باعتبار أن الحريات الأخيرة هي امتيازات خاصة للأفراد يمتنع على السلطة التعرض لها أو التعدي عليها لكونها حقوق لصيقة بالانسان بينما الأولى تتضمن وضع السلطة في يد الشعب ,غير أن ذلك لا ينفي القول بأن الحرية السياسية بما تتضمنه من حقوق وحريات، كحق الانتخاب، وحرية الترشيح، وحق الاستفتاء ...إلخ، تعتبر نوع من الحقوق والحريات العامة أو الفردية، وذلك بالنظر إلى صاحبها وطريقة ممارستها، وذلك بالرغم من وجود بعض الاختلافات والتباين في مفهوم كلا المصطلحين. كما قد يثور التساؤل عن التمييز بين مفهوم الحريات العامة، ومصطلح حقوق الإنسان، حيث قد تباينت آراء الفقه حول هذه المسألة، نظرا لوجود التقارب بين المفهومين، لدرجة أن البعض قد اعتبرهما شبه مترادفين، أو متطابقين، خاصة بعد أن أصبحت حقوق الإنسان ركنا أساسيا، سواء الواردة في الإعلان الفرنسي لسنة 1789 ، أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 ، عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وغيرهما.
نخلص مما تقدم، إلى أن الحرية بمعناها الإنساني والشامل لن تتحقق إلا في ظل نظام سياسي عادل، يستند إلى مذهب فكري متوازن سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، قادر على ضبط الحركة الاجتماعية بمفهومها الواسع، بواسطة آليات توفيقية بين مصلحة الفرد والجماعة. وضمن هذه الأطر، وتوفر تلك الشروط، تصبح الحرية ترمز إلى ذلك"الخير العام الذي يمكن الإنسان من التمتع بجميع الخيرات الأخرى وقدرته على اختيار سلوكه بنفسه ضمن قواعد المجتمع الذي يعيش فيه.



مراجع:

 ـ برتران دوجوفينل، بدايات الدولة الحديثة، ترجمة مصطفى الصالح (وزارة الثقافة، دمشق 1984م).
ـ ثروت بدوي، أصول الفكر السياسي، دار النهضة العربية (القاهرة، 1972م).
ـ كوسلابوف وماركوف، الحرية والمسؤولية، ترجمة مرعي ـ جاموس (دار الجماهير العربية، دمشق 1975م).



اعلان 1
اعلان 2

0 التعليقات :

إرسال تعليق

عربي باي